ابن قتيبة الدينوري
مقدمة التحقيق 5
المعارف
وتثور الرّاونديّة ( 1 ) بأبي جعفر المنصور في مدينته « الهاشمية » فيكره سُكناها - وإلى جانب « الهاشمية » : « الكوفة » - وهو لا يأمن أهلها على نفسه ، فيخرج يرتاد له موضعا يتخذه مقاما له ولجنده ، فينحدر إلى « جرجرايا » ، ثم يصير إلى « بغداد » ويتركها ويمضى إلى « الموصل » ثم يعود إليها ثانية ( 2 ) . ويسأل « أبو جعفر » عن اسمها فيخبر به ، فيقول : هذه والله المدينة التي أعلمني بها أبى « محمد بن عليّ » أنّى أبنيها وأنزلها وينزلها ولدى من بعدي ( 3 ) . وقيل إن متطببا نصرانيّا « بالمدائن » هو الَّذي أنهى إلى « المنصور » - وقد علم السبب في خروجه - أن رجلا يدعى مقلاصا ، ( 4 ) يبنى مدينة بين « دجلة » و « الصّراة » ، فيقول المنصور : إني والله كنت أدعى مقلاصا وأنا صبىّ ، ثم زال عنى ( 5 ) . ويقال : إن أبا جعفر لما عاد إليها من الموصل قال : هذا موضع معسكر صالح ، هذه « دجلة » ، ليس بيننا وبين « الصين » شيء ، يأتينا فيها كل ما في البحر ، تأتينا الميرة من الجزيرة وأرمينية وما حول ذلك . وهذا « الفرات » ، يجيء فيه كل شيء من الشام والرّقة وما حول ذلك . فنزل وضرب عسكره على الصراة واختط المدينة ( 6 ) . وفرغ أبو جعفر المنصور من بنائها سنة 146 من الهجرة ، ونزلها مع جنده وسماها : مدينة السلام ( 7 ) .
--> ( 1 ) الراوندية : من الروافض الحلولية ، الذين قالوا بتناسخ روح الإله في الأئمة . وقد ادّعى الراوندية هذا في أبى مسلم ، صاحب دولة بنى العباس . ( الفرق بين الفرق 163 ) . ( 2 ) الطبري ( 6 : 234 ) مطبعة الاستقامة - الكامل لابن الأثير ( 5 : 14 ) طبع إدارة الطباعة المنيرية . ( 3 ) البلدان لليعقوبي . ( 4 ) مقلاص : لص كان في ناحية بغداد مشهور بالسرقة . لقبت المنصور به داية كانت له ، حين أخذ غزلا لها ، وهو صغير دون علمها . وقد ذكر ياقوت تفصيل ذلك في رسم « بغداد » . ( 5 ) الكامل لابن الأثير . ( 6 ) الطبري . ( 7 ) تاريخ بغداد ( 1 : 78 ) .